محمد جمال الدين القاسمي

237

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

قال الزمخشريّ : فإن قلت هلا اقتصر على قوله فإنه آثم . وما فائدة ذكر القلب والجملة هي الآثمة لا القلب وحده ؟ قلت : كتمان الشهادة هو أن يضمرها ولا يتكلم بها . فلما كان إثما مقترفا بالقلب أسند إليه . لأن إسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ . ألا تراك تقول ، إذا أردت التوكيد : هذا مما أبصرته عيني ومما سمعته أذني ومما عرفه قلبي . ولأن القلب هو رئيس الأعضاء ، والمضغة التي إن صلحت صلح الجسد كله وإن فسدت فسد الجسد كله « 1 » . فكأنه قيل : فقد تمكن الإثم في أصل نفسه ، وملك أشرف مكان فيه . ولئلا يظن أن كتمان الشهادة من الآثام المتعلقة باللسان فقط . وليعلم أن القلب أصل متعلقه ومعدن اقترافه . واللسان ترجمان عنه . ولأن أفعال القلوب أعظم من أفعال سائر الجوارح . وهي لها كالأصول التي تتشعب منها . ألا ترى أن أصل الحسنات والسيئات الإيمان والكفر . وهما من أفعال القلوب . فإذا جعل كتمان الشهادة من آثام القلوب فقد شهد له بأنه من معظم الذنوب . وقرئ ( قلبه ) بالنصب . كقوله : سفه نفسه . وقرأ ابن أبي عبلة : أثم قلبه . أي جعله آثما وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ أي بقلوبكم وألسنتكم وجوارحكم عَلِيمٌ . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 284 ] لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 284 ) لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا أي تظهروا ما فِي أَنْفُسِكُمْ من الأفعال الاختيارية باللسان أو الجوارح أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ قال أبو مسلم الأصفهاني : إنه تعالى لما قال في آخر الآية المتقدمة : واللّه بما تعملون عليم . ذكر عقيبه ما يجري مجرى الدليل العقليّ فقال : لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ومعنى هذا الملك ، أن هذه الأشياء لما كانت محدثة فقد وجدت بتخليقه وتكوينه

--> ( 1 ) يشير إلى الحديث النبوي الشريف الذي أخرجه البخاريّ في : الإيمان ، 39 - باب فضل من استبرأ لدينه ، حديث 47 ونصه : عن النعمان بن بشير قال : سمعت رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم يقول « الحلال بيّن والحرام بيّن . وبينهما مشبهات لا يعلمها كثير من الناس . فمن اتقى المشبّهات استبرأ لدينه وعرضه ، ومن وقع في الشّبهات كراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه . ألا وإن لكل ملك حمى . ألا وإن حمى الله في أرضه ومحارمه . ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله . وإذا فسدت فسد الجسد كله . ألا وهي القلب » .